فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة. ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها ، ونظافة تصوراتها ، ها هي ذي ترمى في أعز ما تعتز به. ترمى في شرفها. وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع. وترمى في أمانتها. وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم. وترمى في وفائها. وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير.. ثم ترمى في إيمانها. وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام ، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة. وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ها هي ذي ترمى ، وهي بريئة غارة غافلة ، لا تحتاط لشيء ، ولا تتوقع شيئاً ؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب الله ، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا ، تبرئها مما رميت به. ولكن الوحي يتلبث ، لحكمة يريدها الله ، شهراً كاملاً ؛ وهي في مثل هذا العذاب.
ويا لله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح. وهي مهدودة من المرض ، فتعاودها الحمى ؛ وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ وفي رواية أخرى تسال: وقد علم به أبي؟ فتجيب أمها: نعم! فتقول: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فتجيبها أمها كذلك: نعم!
ويا لله لها ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه ، يقول لها:"أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه". فتعلم أنه شاك فيها ، لا يستيقن من طهارتها ، ولا يقضي في تهمتها. وربه لم يخبره بعد ، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها ؛ فتمسي وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها ، وأحلها في سويدائه!