وقرأ أبو حيوة ، ومجاهد"الحق"بالرفع على أنه نعت لله ، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وقرأ الباقون بالنصب على أنه نعت لدينهم.
قال أبو عبيدة: ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتاً لله عزّ وجلّ ، ولتكون موافقة لقراءة أبيّ ، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبيّ"يوفيهم الله الحق دينهم".
قال النحاس: وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضيّ ، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم ، ولا حجة أيضاً فيه ؛ لأنه لو صحّ أنه في مصحف أبيّ كذلك جاز أن يكون دينهم بدلا من الحقّ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين} أي: ويعلمون عند معاينتهم لذلك ، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز: أن الله هو: الحقّ الثابت في ذاته ، وصفاته ، وأفعاله.
المبين: المظهر للأشياء كما هي في أنفسها ، وإنما سمى سبحانه الحقّ ؛ لأن عبادته هي الحقّ دون عبادة غيره.
وقيل: سمي بالحقّ أي: الموجود لأن نقيضه الباطل ، وهو المعدوم.
ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال {الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ} أي: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال أي: مختصة بهم لا تتجاوزهم ، وكذا الخبيثون مختصون بالخبيثات لا يتجاوزونهن ، وهكذا قوله: {والطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ} قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وأكثر المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات ، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.
قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل.
قال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلاّ الخبيث من الرجال والنساء ، ولا يتكلم بالطيبات إلاّ الطيب من الرجال والنساء ، وهذا ذمّ للذين قذفوا عائشة بالخبث ، ومدح للذين برّءُوها.