ثم يقول سبحانه: {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] وهذه جوارح لم يكُنْ لها نُطْق في الدنيا ، لكنها ستنطق اليوم . ويحاول العلماء تقريب هذه المسألة فيقولون: إن الجارحة حين تعمل أيَّ عمل يلتقط لها صورة تسجل ما عملتْ ، فنُطْقها يوم القيامة أن تظهر هذه الصورة التي التقطت .
والأقرب من هذا كله أن نقول: إنها تنطق حقيقة ، كما قال تعالى حكايةً عن الجوارح: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 21] .
ومعنى: {الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أن لكل شيء في الكون نُطْقاً يناسبه ، كما نطقت النملة وقالت: {يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ . .} [النمل: 18] ونطق الهدهد ، فقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] .
وقد قال تعالى عن نُطْق هذه الأشياء: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . .} [الإسراء: 44] .
لكن ، إنْ أراد الله لك أن تفقه نُطْقهم فقَّهك كما فقَّه سليمان عليه السلام ، حين فهم عن النملة: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا . .} [النمل: 19] كما فَهِم عن الهدهد ، وخاطبه في قضية العقيدة .
وإنْ كان النطق عادةً يفهم عن طريق الصوت ، فلكل خَلْق نُطْقه الذي يفهمه جنسه ؛ لذلك نسمع الآن مع تقدُّم العلوم عن لُغة للأسماك ، ولغة للنحل ... إلخ .