ولتقريب هذه المسألة: أَلاَ ترى كيف يخرس الرجل اللبيب المتكلم ، ويُمسك لسانه بعد طلاقته ، بسبب مرض أو نحوه ، فلا يستطيع بعدها الكلام ، وهو ما يزال في سَعَة الدنيا . فما الذي حدث؟ مجرد أن تعطلتْ عنده آلة الكلام ، فهكذا الأمر في الآخرة تتعطل إرادتك وسيطرتك على جوارحك كلها ، فتنطق وتتحرك ، لا بإرادتك ، إنما بإرادة الله وقدرته .
فالمعنى {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ . .} [النور: 24] أي: شهادة ونطقاً على مراد الله ، لا على مراد أصحابها .
ولمَ نستبعد نُطْق اللسان على هذه الصورة ، وقد قال تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] وقد جعل فيك أنت أيها الإنسان نموذجاً يؤكد صِدْق هذه القضية . فَقُلْ لي: ماذا تفعل إنْ أردتَ أن تقوم الآن من مكان؟ مجرد إرادة القيام ترى نفسك قد قُمْتَ دون أن تفكر في شيء ، ودون أن تستجمع قواك وفكرك وعضلاتك ، إنما تقوم تلقائياً دون أن تدري حتى كيفية هذا القيام ، وأيّ عضلات تحركت لآدائه .
ولك أنْ تقارن هذه الحركة التلقائية السَّلسِة بحركة الحفار أو الأوناش الكبيرة ، وكيف أن السائق أمامه عدد كبير من العِصيِّ والأذرع ، لكل حركة في الآلة ذراع معينة .
فإذا كان لك هذه السيطرة وهذا التحكم في نفسك وفي أعضائك ، فكيف تستبعد أن يكون لربك - عز وجل - هذه السيطرة على خَلْقه في الآخرة؟
إذن: فاللسان محلّ القول ، وهو طَوْع إرادتك في الدنيا ، أما في الآخرة فقد شُلَّتْ هذه الإرادة ودخلتْ في قوله تعالى: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .