وكما نبه كتاب الله في الربع الماضي إلى ما للمشاركة والمجانسة من أثر في الحياة الزوجية إذ قال: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] ، زاد هذا المعنى إيضاحا وتوكيدا في هذا الربع، فقال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} قال ابن كثير:"وما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعا ولا قدرا، ولهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} ، والإشارة هنا إلى الطيبين والطيبات أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} . وقال جار الله الزمخشري: لقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] ، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ"
اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب: 69] ، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حتى نادى من حجرها {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30] ، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة، بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئه أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين"."