وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي الحدِيث جَوَاز غِيبَة المُعْلِن بِالْفِسْقِ أَوْ الْفُحْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْجَوْر فِي الْحُكْم وَالدُّعَاء إِلى الْبِدْعَة مَعَ جَوَاز مدَارَاتهمْ اِتِّقَاء شَرّهمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى المُدَاهَنَة فِي دِين الله تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وَالْفَرْق بَيْنَ المُدَارَاة وَالمُدَاهَنَة أَنَّ المُدَارَاة بَذْل الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّين أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَة، وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّتْ، وَالمُدَاهَنَة تَرْك الدِّين لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْن عِشْرَته وَالرِّفْق في مُكَالمَته وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِض قَوْله فِيهِ فِعْله، فَإِنَّ قَوْله فِيهِ قَوْل حَقٌّ، وَفِعْله مَعَهُ حُسْن عَشْرَة، فَيَزُول مَعَ هَذَا التَّقْرِير الْإِشْكَال بِحَمْدِ الله تَعَالَى.
الوجه الخامس: قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ نُوزَعَ فِي كَوْن مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ غِيبَة، وَإِنَّمَا هُوَ نَصِيحَة لِيَحْذَر السَّامِع، وَإِنَّمَا لَمْ يُوَاجِه الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لِحُسْنِ خُلُقه -صلى الله عليه وسلم-، وَلَوْ وَاجَهَ الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَكِنْ حَصَلَ الْقَصْد بِدُونِ مُوَاجَهَة. وَالجوَاب أَنَّ المُرَاد أَنَّ
صُورَة الْغِيبَة مَوْجُودَة فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْغِيبَة الْمَذْمُومَة شَرْعًا، وَغَايَته أَنَّ تَعْرِيف الْغِيبَة الْمَذْكُور أَوَّلًا هُوَ اللُّغَوِيّ، وإذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ تَعْرِيفهَا الشَّرْعِيّ.
الوجه الثالث: استنكار حسن عشرة النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء تبعًا لاحتقار مكانة المرأة في الكتاب المقدس.
إن المتفحص لكتاب النصارى يجد أنه مليء بالأمور التي تجعل المرأة متدنية وحقيرة، ولا تحق لها مثل ما يحق للرجل.
وقد مر ذلك مرارًا، وليراجع ذلك في كتاب المرأة، فإنه مهم.