وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: «إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» تَقُولُ:"إِنَّمَا هُوَ وَلْقُ الْكَذِبِ، وَتَقُولُ: إِنَّمَا كَانُوا يَلِقُونَ الْكَذِبَ."
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَهِيَ أَعْلَمُ بِمَا فِيهَا أُنْزِلَتْ.
قَالَ نَافِعٌ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ: اللَّيْقُ: الْكَذِبُ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَأَنَّ عَائِشَةَ وَجَّهَتْ مَعْنَى ذَلِكَ بِقِرَاءَتِهَا «تَلِقُونَهُ» بِكَسْرِ اللَّامِ , وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، إِلَى: إِذْ تَسْتَمِرُّونَ فِي كَذِبِكُمْ عَلَيْهَا , وَإِفْكِكِهَا بِأَلْسِنَتِكُمْ، كَمَا يُقَالُ: وَلِقَ فُلَانٌ فِي السَّيْرِ فَهُوَ يَلِقُ: إِذَا اسْتَمَرَّ فِيهِ؛ وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
إِنَّ الْجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقْ ... جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ
مُجَوَّعُ الْبَطْنِ كِلَابِيُّ الْخُلُقْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْعَرَبِ فِي الْوَلْقُ: الْكَذِبُ: الْأَلْقُ، وَالْإِلْقُ: بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ فِي فَعَلْتُ مِنْهُ: أَلِقْتُ، فَأَنَا أَلِقُ؛
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
[البحر الرجز]
مِنْ لِيَ بِالْمُزَرَّرِ ... الْيَلَامِقِ صَاحِبِ أَدْهَانٍ وَأَلْقٍ آلِقِ
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي تَرْوُونَهُ، فَتَقُولُونَ: سَمِعْنَا أَنَّ عَائِشَةَ فَعَلَتْ كَذَا وَكَذَا، وَلَا تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ , وَلَا صِحَّتَهُ. وَتَظُنُّونَ أَنَّ قَوْلَكُمْ ذَلِكَ وَرُوَايَتَكُمُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ , وَتَلَقِّيَكُمُوهُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ، هَيِّنٌ سَهْلٌ، لَا إِثْمَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلَا حَرَجٌ.
{وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيم}
يَقُولُ: وَتَلَقِّيكُمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَقَوْلُكُمُوهُ بِأَفْوَاهِكُمْ، عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ مِنَ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ تُؤْذُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَلِيلَتَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) }