فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «ادرأوا الحدود ما استطعتم» والشهود يستطيعون درأه لئلا يشهدوا!
قيل: بل لا يستطيعون ذلك، لأن على الشهود إذا خافوا أن يتأول حق ويضيع، بتركهم إقامة الشهادة، أن يشهدوا ويحيوا الحق.
فصح أنهم لا يستطيعون الدواء بعد ما عاينوا أو عرفوا.
وإنما هذا خطاب للآية في الحد إذا تردد من وجه إقامة، ووجه دفع، ليغلبوا وجه الإقامة.
فأما غيرهم فهم من هذا بمعزل، وبالله التوفيق.
وكل ما سبق ذكره فهو في الفواحش التي لا تخرج عن الملة.
فأما إذا سمع رجل رجلاً أظهر الإسلام وقال: إني مسلم، يتكلم بكلام الكفر فعرف به أنه من المنافقين فلا ينبغي له أن يستر عليه.
فإن الله - عز وجل - لم يستر على المنافقين، لكنه أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلّم - سورة ينبئهم بما في قلوبهم، ويقرر عنده كذبهم، فكانت تلك السورة وهي التوبة، تسمى في الصحابة الفاضحة والتأدب بأدب الله تعالى في من ظهر نفاقه أن يفضح ولا يستر عليه، ليعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولا يغيروا بما يظهروه لهم، فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، إن كان كفره كفراً.
فحرم ذباح أهله، ولا يتقدموا للصلاة، فيصلوا خلفه، أو يرضى أحد منهم بأطفاله ولاية ماله.
وإن كان كذلك واقعاً منه على سبيل الإرتداد عن دين الحق بعدما كان يعتقده، دعي إلى الرجعة، فإن أجاب، وإلا قتل والله أعلم.
وهذا لأن من أظهر للكفر، فقد زالت حرمته، فمن الحرمة فيما أوجبنا فيما تقدم ستره، إنما كان لدين المتعاطي له فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم، وبالله التوفيق. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...