وأما أبو السعود فقد رجح أن النكاح بمعنى العقد، وأنه حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجرِ المؤمنينَ عن نكاحِ الزَّواني بعدَ زجرِهم عن الزِّنا بهنَّ. . . وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هو الزِّنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعًا في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ {وَحُرِّمَ ذَلِكَ} أي نكاحُ الزَّواني {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النَّسبِ، واختلالِ أمرِ المعاشِ، وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلًا عنِ المُؤمنينَ، ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ. وقيل: النَّفيُ بمعنى النَّهي وقد قُرئَ بهِ. والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} ، فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ.
وحول القول بالنسخ من عدمه يذكر أبو جعفر النحاس للعلماء في الآية أربعة أقوال:
الأول: منهم من قال: هي منسوخة.
الثاني: ومنهم من قال: النكاح هاهنا الوطء.
الثالث: ومنهم من قال: الزاني هنا المجلود في الزنا لا ينكح إلا زانيةً مجلودةً في الزنا أو مشركةً وكذا الزانية.
الرابع: ومنهم من قال: هي الزانية التي تتكسب بزناها وتنفق على زوجها واحتج بأن الآية في ذلك أنزلت.
فممن قال: هي منسوخةٌ، سعيد بن المسيب. . . قال ابن عمر: إنها نسخت بالآية التي بعدها {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} (النور: 32) ، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وهذا القول الذي عليه أكثر العلماء وأهل الفتيا. . .
ونقل عن الشافعي قوله: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء اللَّه أنها منسوخة ثم قال: وهذا الحديث يجوز أن يكون منسوخًا كما نسخت الآية في قول سعيد بن المسيب، وانتهى به القول إلى اختياره قول الإمام الشافعي من كون الآية منسوخة. .