قال ابن رشد الحفيد: وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} إلى الزنا أو إلى النكاح؟ وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم لما جاء في الحديث: أن رجلًا قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في زوجته: إنها لا ترد يد لامس فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:"طلقها"، فقال له: إني أحبها، فقال له:"فأمسكها"، وقال قوم أيضًا: إن الزنا يفسخ النكاح بِناءً على هذا الأصل. وبه قال الحسن.
ثانيًا: توجيهات العلماء:
للعلماء في الآية عدة توجيهات:
1 -أن الآية على معنى الخبر، أي: أن الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو مشركةٍ تستحل الزنا، والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك. وعلى هذا فمعنى النكاح في الآية: الوطء.
2 -أن الزاني لا يليق به أن يتزوج إلا زانيةً مثله أو مشركةً، والزانية لا يليق بها أن تتزوج إلا بزانٍ مثلها أو مشركٍ -وهذا على سبيل الزجر والتقبيح، ولا يفهم منه جواز نكاح مسلمٍ أيًّا كان حاله بمشركةٍ، أو مسلمةٍ أيًّا كان حالها بمشركٍ.
3 -أَنَّهَا مَخْصوصَةٌ فِي الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَحْدُودَةً، وَلَا يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ المَحْدُودَةَ إلَّا زَانٍ.
4 -أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ، وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ.
5 -أن الآية منسوخةٌ بقول اللَّه تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} (النور: 32) فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وبقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. .} (النساء: 3) .