فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون. إنما يكونون في حالةٍ نفسيةٍ بعيدةٍ عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان. وبعد ارتكابها لا ترتضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاحٍ مع نفسٍ خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة البشعة؛ لأنها تنفر من هذا الرباط وتشمئز. حتى لقد ذهب الإمام أحمد إلى تحريم مثل هذا الرباط بين زانٍ وعفيفةٍ، وبين عفيفٍ وزانيةٍ؛ إلا أن تقع التوبة التي تطهر من ذلك الدنس المنفر. وعلى آية حالٍ، فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني، واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وكذلك تفيد تقبيحًا لأمر الزاني أشدَّ تقبيحٍ ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة؛ فبينهما كما بين سهيلٍ والثريا، فترى هذه شاميةً إذا ما استقلت، وترى ذاك إذا ما استقل يمانيًا، وإنما يليق به أن ينكح زانيةً هي في ذلك طبقه ليوافق كما قيل شن طبقه، أو مشركةً هي أسوأ منه حالًا وأقبح أفعالًا، فـ {لَا يَنْكِحُ} خبرٌ مرادٌ منه: لا يليق به أن ينكح كما تقول: السلطان لا يكذب، أي لا يليق به أن
يكذب. نزل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه وهو كثيرٌ في الكلام، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه.
الوجه الخامس: توجيهات العلماء وتوفيقهم بين الحديث والآية:
بدايةً تكاد تتفق كلمة الفقهاء على أن الزاني المسلم والزانية المسلمة إذا تابا وأرادا الزواج جاز لهما ذلك، وأما إذا لم يتوبا فلا، أما المشرك فلا ينكح المسلمة بحال حتى ولو تاب من زناه ما دام باقيًا على كفره، وكذا المسلم لا ينكح المشركة بحالٍ حتى وإن تابت من زناها ما بقيت على شركها وهذا إجماع، وسيأتي توجيه ابن القيم للآية والحديث حيث خص الآية في ابتداء الزواج، وخص الحديث باستمراره فمنع الأول وأجاز الثاني، وقد اختلفوا هل الآية محكمةٌ أم منسوخةٌ؟ فمِن مؤيِّدٍ للأول ومن مؤيِّدٍ للثاني، وسيتضح ذلك من خلال نُقُول العلماء في التوفيق بين الآية والحديث.
أولًا: سبب الاختلاف: