وكذلك ننشرها و"ننشزها" [البقرة: 259] ، لأن الإنشار: الإحياء ، والإنشاز هو:
التحريك للنقل ، والحياة حركة ، فلا فرق بينهما.
وكذلك: فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] و (فرّغ) ، لأن فرّغ: خفف عنها الفزع ، وفرّغ: فرّغ عنها الفزع.
وكل ما فِي القرآن من تقديم أو تأخير ، أو زيادة أو نقصان - فعلى مثل هذه السبيل.
فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه ؟ .
قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه - جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه ، لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين ، قرؤوا بلغاتهم ، وجروا على عادتهم ، وخلّوا أنفسهم وسوم طبائعهم ، فكان ذلك جائزا لهم ، ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل ، عارفين بالتأويل ، فأما نحن معشر المتكلفين ، فقد جمعنا اللّه بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض ، وليس لنا أن نعدوه ، كما كان لهم أن يفسّروه ، وليس لنا أن نفسّره.
ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت فِي مصحفنا ، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير ، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفّقون ، رحمة اللّه عليهم.
وأما نقصان مصحف عبد اللّه بحذفه (أمّ الكتاب) و (المعوّذتين) ، وزيادة أبيّ بسورتي القنوت - فإنا لا نقول: إن عبد اللّه وو أبيّا أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار ، ولكنّ (عبد اللّه) ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن (المعوذتين) كانتا كالعوذة والرّقية وغيرها ، وكان يرى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، يعوّذ بهما الحسن والحسين وغيرهما"1"، كما كان يعوّذ بأعوذ بكلمات اللّه التّامة"2"، وغير ذلك ، فظنّ أنهما ليستا من القرآن ، وأقام على ظنّه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التّطبيق.
وأقام غيره على الفتيا بالمتعة ، والصّرف ورأى آخر أكل البرد وهو صائم.