«فَإِنْ قِيلَ» : فلماذا قال يا ابن أمّ {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}
أي: فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله وأصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سرّ بمكروه نزل به أي: لا تسرّ الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ذلك؟
أجيب: بأنَّ هارون إنما قال ذلك خوفاً من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنَّ موسى غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي: فلا تفعل بي ما تشمت به أعدائي فهم أعداؤك فإنّ القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: الذين عبدوا العجل مع براءتي منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) }
وللمفسرين في هذه الآية طريقان الأوّل أنَّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين باشروا عبادة العجل.
«فَإِنْ قِيلَ» : أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة؟
أجيب: بأنَّ ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك القتل غضباً عليهم والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ.
وقيل: خروجهم من ديارهم لأنّ ذل الغربة مثل مضروب.
«فَإِنْ قِيلَ» : السين في قوله: (سينالهم) للاستقبال فكيف تكون للماضي؟
أجيب: بأنَّ هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة، فكان هذا الكلام سابقاً لوقته وهو القتل الذي أمرهم الله تعالى به بعد ذلك.