وقيل: لم يقل من تحتهم لأنّ الإتيان منه يوحش، وعنه إنه قال: من بين أيديهم من قبل الآخرة فيخبرهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من قبل الدنيا فيزينها، لهم وعن أيمانهم أي: من قبل حسناتهم أي: فيبطؤهم، عنها، وعن شمائلهم من قبل سيآتهم أي: فيزين لهم المعاصي يدعوهم إليها. وإنما عدى الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عروضهم ونظيره قوله: جلست عن يمينه وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف إنّ الله غفور رحيم فأقرأ {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه: 82) ، وأمّا من خلفي فيخوفني الضيعة على من خلفي فأقرأ: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود: 6) ، وأمّا من قبل يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83) ، وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} (سبأ: 54)
{وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}
أي: مطيعين.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف علم الخبيث ذلك؟
أجيب: بأنه إنما قال ذلك ظناً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} (سبأ: 20)
لما رأى فيهم مبدأ الشرّ متعدّداً وهو الشيطان والنفس والهوى ومبدأ
الخير واحداً وهو الملك الملهم.
وقيل: سمع ذلك من الملائكة.
{وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا}
«فَإِنْ قِيلَ» : قال تعالى في سورة البقرة: {وَكُلاَ} (البقرة: 35) بالواو وهنا بالفاء فما الفرق؟