قوله تعالى: (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ)
وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسما عند العرب قال الشاعر:
جسم الجمال وأحلام العصافير وصف من هجاه بهذا بعظم الجسم مع صغر العقل فجسم الجمل من أعظم الأجسام وثقب الإبرة من أضيق المنافذ فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا، فكذلك دخول الكفار الجنة محال، ولما وصف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط وكان وقوع هذا الشرط محالا ثبت أن الموقوف على المحال محال فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعا.
وقال بعض أهل المعاني: لما علق الله تعالى دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ذلك نفيا لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك لأن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز، وهذا كقولك: لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار ومنه قول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب.
قوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ)
يعني ونادى أهل الجنة أهل النار وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
«فإنْ قلتَ» : هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟
قلت: ظاهر قوله (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) يفيد العموم والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا.
«فإنْ قلتَ» : إذا كانت الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء أو كيف يصح أن يقع؟
قلت: إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات والأسماء فيصير البعيد كالقريب.