قيل: أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، سمّى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها (120 و) وإحداق الغياض بها، يدلّ عليه دعوته القوم في الموضعين جميعا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل: أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى، وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصفه الله تعالى بأخوّة أصحاب مدين؛ لأنّه كان من قبيلتهم، ولم يصفه بأخوّة أصحاب الأيكة؛ لأنّه لم يكن من قبيلتهم.
وقال القتبيّ: إنّ شعيبا لم يكن من ولد إبراهيم عليه السّلام، ولكنّه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشّام، والله أعلم.
وأجمعوا أنّه كان عربيّا، ولم يذكروا إلى من يرجع.
وكان مكفوفا، وكان من أفصح النّاس في زمانه وأبينهم لما يريد، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسمّي شعيبا عليه السّلام خطيب الأنبياء.
{جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ:} أي: ما ثبت في العقول من دلائل التّوحيد وحسن الإنصاف وقبح الخيانة، أو ما وصل إليهم من سبيل التّواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات، أو ما أكرم الله به
شعيبا من الفصاحة المعجزة والإخبار من المشاهدات مع كونه أعمى، أو العصا التي كانت لموسى عليه السّلام وكان شعيب قد أعطاها إيّاه، أو شيء لم يبلغنا خبره.
{الْكَيْلَ:} تقدير الشّيء بالظّروف.
{وَالْمِيزانَ:} ما تقدّر به ثقلا.
{أَشْياءَهُمْ:} أموالهم وحقوقهم.
{خَيْرٌ لَكُمْ:} من الخيانة.
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:} أي: إنصافكم النّاس خير لكم بعد أن تؤمنوا. ويحتمل أنّهم يدّعون الإيمان ببعض الأنبياء كادّعاء أهل الكتاب.
86 -وكانوا يعترضون لمن قصد شعيبا عليه السّلام ويخوّفونه بالقتل والأذى إن آمن به، فنهاهم عن ذلك وقال: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ،} الآية. وعن السدّي أنّهم كانوا يقطعون الطّريق.
{وَتَصُدُّونَ:} معطوف على { (تُوعِدُونَ) } .
{فَكَثَّرَكُمْ:} بالعدد والعدد.
87 -وتعليق الصّبر بإيمان البعض دون البعض يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّكم إن اختلفتم في أمري فانتظروا حكم الله ولا يحملنّكم ذلك على الاقتتال.
والثّاني: أنّ المؤمنين لمّا استضعفوا ورأوا بسطة الكفّار كادوا يرتدّون على أدبارهم فقال:
إن كنتم آمنتم وكفر غيركم فانتظروا حكم الله في العاجلة.
والثّالث: أنّ المؤمنين منهم شكوا إليه فعزّاهم وأمرهم بالصّبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله.