ولمّا أهلك الله شداد بن شديد حبس المطر وقحط النّاس في الشّرق والغرب، وتضعضع أمر الجبابرة العاديّة، وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان، وخرج أولاد أرفخشد على الضّحّاك بن علوان، وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلاّ في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم، ومع ذلك هم متجبّرون مستكبرون عن الإيمان بهود عليه السّلام، إلاّ أنّهم يعظّمون الحرم، فوفدوا إلى الحرم وفودا للاستسقاء، أحدهم مرثد بن سعد بن عفير، والثّاني قيل بن عنز، وقيل: قيل بن عمرو، والثّالث لقمان بن هزال، وقيل:
لقمان بن عاد، والرّابع لقيم بن هزال، والخامس جلهمة بن فلان، فمرّوا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضا، كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه، فأضافهم شهرا ثمّ خرجوا إلى بيت الله، فأمّا مرثد بن سعد فكان مؤمنا يكتم إيمانه، فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأمّا لقمان فخصّ دعوته وسأل عمر سبعة أنسر ودخل بعض الشعاب، ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ونودوا: تخيّروا واحدة منهنّ فاختاروا السّوداء، فسيقت نحو اليمن، فلمّا رآها القوم تباشروا بالغيث، فخرج منها ريح صرصر، فلمّا أحسّوا بالرّيح تنادوا وصاحوا، وكان لهم رئيس يسمّى خلّجان فذهب مع سبعين رجلا من أشراف قومه مستقبل الرّيح، وهبّت عليهم مثل شرار النّار،
فكانت تصيب هودا والذين معه بردا وسلاما، والرّيح تقلع الصّخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثمّ ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم. وكان ابتداء الرّيح يوم الأربعاء، فلم يبق إلى الأربعاء الآخر غير الخلّجان، فأقبل إليه هود عليه السّلام آخذا بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الجبل وقال: أيّها العاتي المتمرّد الجبّار تب إلى الله فارجع عن غيّك فإنّما هو يومك، قال: فهل ربّك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني من ملائكته؟ قال: إنّ الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحبّ أن أظهر استكانة لربّك.
وعن ابن سلام أنّ الرّمل بالأحقاف كانت صخورا فصارت بتلك الرّيح رملا، وتلا قوله تعالى: {ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) [الذّاريات:42] .
قال ابن عبّاس: أرسل الله عليهم من الرّيح مقدار خاتم، ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلّها، والرّيح ريح دبور.