فإن قلت: فما تصنع بقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على {أَلَّا تُشْرِكُوا} إذا جعلت (أن) هي
الناصبة للفعل حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإِشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيمًا؟ قلت: أجعل قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، انتهى كلامه.
والثاني: النصب بأن، وجاز أن تُعطف النواهي وهي: {وَلَا تَقْتُلُوا} ، {وَلَا تَقْرَبُوا} ، {وَلَا تَتَّبِعُوا} على الخبر، كما قال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
و {شَيْئًا} : مفعول {تُشْرِكُوا} ، ولك أن تجعله في موضع المصدر، أي: إشراكًا، وقد ذكر نظيره فيما سلف.
وقوله: {مِنْ إِمْلَاقٍ} أي: من أجل إملاق، والإِملاق: الفقر والفاقة، يقال منه: أملق إملاقًا، أي: من أجل فقر ومن خشيته، كقوله: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} .
وقوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} بدل من {الْفَوَاحِشَ} ، و {مِنْهَا} في موضع الحال من المستكن في {ظَهَرَ} .
وقوله: {بِالْحَقِّ} في موضع الحال أيضًا، ومعنى بالحق:
كالقصاص، والقتل على الرِّدَّة والرَّجم.
وقوله: {ذَلِكُمْ} فيه وجهان:
أحدهما: في موضع رفع بالابتداء، والخبر {وَصَّاكُمْ بِهِ} .
والثاني: في موضع نصب، على معنى ألزمكم ذلكم، و {وَصَّاكُمْ} تفسير له.
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } :
قوله عز وجل: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: إلَّا بالخصلة التي هي أحسن.