والمعنى: أنهم قَسَمُوا أنعامهم فقالوا: هذه أنعام حِجْرٌ، وهذه أنعام مُحَرَّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكرون عليها اسم الله، فجعلوها أجناسًا بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله.
وقوله: {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد؛ لأن قولهم ذلك المحكي بمعنى افتروا.
والثاني: أنه مفعول من أجله.
والثالث: أنه حال، أي: مُفْتَرِين، أو ذوي افتراء.
وقوله: {عَلَيْهِ} على الوجه الأول: من صلة محذوف على أنّه نعت لقوله {افْتِرَاءً} ، ولا يجوز أن يكون من صلة {افْتِرَاءً} لأن المصدر المؤكد لا يعمل في شيء، ويجوز أن يكون من صلة المؤكَّد، يدل عليه القول المحكِي.
وأما على الوجه الثاني والثالث: فيجوز أن يكون من صلة قوله: {افْتِرَاءً} ، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة له، فاعرفه.
{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) } :
قوله عز وجل: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ} (ما) موصول في موضع رفع بالابتداء، وخبره {خَالِصَةٌ} ، وأُنِّث للحمل على المعنى؛ لأن (ما) في معنى الأَجِنَّة، أو لأن ما في البطون أنعام، وذُكِّر
(مُحَرَّمٌ) للحمل على اللفظ.
و {لِذُكُورِنَا} : يحتمل أن يكون متعلقًا بـ {خَالِصَةٌ} ، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله نعتًا لخالصةٍ.
وقد جوز أن تكون التاء للمبالغة في الخُلوص، كالتي في راوية الشعر، وداهية القوم، والتي في قولك: فلان خاصَّتي من بين الجماعة، أي: خاص الذي يخصني ويخص بي، والتاء فيه للمبالغة.
وأن يكون مصدرًا وقع موقع الخالص كالعافية، أي: ذو خالصةٍ.
وقرئ: (خالصٌ) بغير تاء حملًا على لفظ (ما) .
وقرئ: (خالصةً) بالتأنيث والنصب، على أن قوله: {لِذُكُورِنَا} هو الخبر، و (خالصةً) إمّا حال من المستكن في الظرف الذي هو صلة {مَا} ، كقولك: الذي في الدار قائمًا زيد، أو مصدرٌ مؤكد.