فإذا فهم هذا، فقرئ: (على مكانتكم) على التوحيد لكونه مصدرًا، والمصدر يدل على القليل والكثير من جنسه، أو لأن جميع ذلك حال واحدة.
وقرئ: (على مكاناتكم) على الجمع، لاختلاف أنواع المصدر، كقولهم: الحلوم والأحلامُ، أو لاختلاف أحوالهم وطرائقهم.
وقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} إن جعلت {مَنْ} استفهامية بمعنى: أيّ، كانت في موضع رفع بالابتداء، وفِعْلُ العِلم معلَّقٌ عنها، كما عُلِّق عنه في قوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} ، والخبر: {تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} ، وإن جعلتها موصولة كانت في موضع نصب بِفِعْلِ العلم.
وقرئ: (تكون) بالتاء النقط من فوقه لتأنيث لفظ العاقبة، وبالياء النقط من تحته؛ لأن تأنيثه غير حقيقي، وللفصل، والعاقبة: مصدر كالعافية.
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) } :
قوله عز وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} (لله، نصيبًا) : مفعولا {جَعَلُوا} ، و {مِمَّا ذَرَأَ} في محل النصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو {نَصِيبًا} ، ولك أن تعلقه بجعل.
و (ما) بمعنى الذي، وعائده محذوف، أي: ذرأه.
و {مِنَ الْحَرْثِ} : يحتمل أن يكون متعلقًا بذرأ، وأن يكون حالًا من العائد المحذوف، وفي الكلام حذفٌ تقديره: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا ولآلهتهم نصيبًا.
ومعنى ذرأ: خلق، يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذَرْءًا وذُروءًا، إذا خلقهم، قيل: وأصله الظهورُ، فكأنه إظهار الخلق بالاختراع، ومنه قيل لظهور الشيب: الذَّرْأةُ، يقال: رجل أَذْرَأُ، وامرأة ذَرْآءُ، وذَرِئ شَعْر وذرأ، إذا ابيض، قال الراجز:
214 -رأينَ شيخًا ذَرِئَتْ مَجَالِيهْ ... يَقْلِي الغَواني والغَوانِي تَقْلِيهْ