212 -كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فواقِعِها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ مِنَ الذَّهبِ
فإن قلت: لم لا تجعل {أَكَابِرَ} بمعنى كبراء، وهو حسن جيد وتُمَشِّي قول هذا الزاعم؟ قلت: لا يسعني ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الشيء إذا وردَ على أصله ولفظه لا يخرج عن ذلك من غير اضطرار خصوصًا في الكتاب العزيز.
والثاني: أن الشيخ أبا علي رحمه الله ذكر الآية في باب الأفعَل واستدل بها على ذلك وهُوَ هُوَ، وقولُ مثلِهِ لا يُهمل:
213 -إذا قالت حَذامِ فصدقوها ... فإن القول ما قالت حَذامِ
و {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} : متعلق بالاستقرار لا بقوله: {جَعَلْنَا} كما زعم بعضهم؛ لأنه خبر المبتدأ في الأصل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب، فاعرفه وقس عليه نظائره فإنه مَوْضِعٌ ونَحْوٌ سِيْبِيٌّ.
وقوله: {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} ، اللام متعلقة بـ {جَعَلْنَا} أي: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك.
قيل: وإنما خص الأكابر، لأنهم هم الحاملون على الضلال، والماكرون بالناس، كقوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} .
{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) } :
قوله عز وجل: {مِثْلَ مَا أُوتِيَ} (مِثْل) مفعول ثان لنؤتَى والأول المستكن في الفعل القائم مقام الفاعل.
وقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ} (حيث) هنا مفعول به على السعة، وناصبه فعل مضمر دل عليه أعلم، أي: يعلم موضع رسالته، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لأعلم، لأن الله تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان.
وقوله: {عِنْدَ اللَّهِ} يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: {سَيُصِيبُ} ، وأن يكون نعتًا لقوله: {صَغَارٌ} .
والصَّغارُ بالفتح: الذل، وهو مصدر قولك: صَغِر فلانٌ يصغَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر صغْرًا وصَغارًا، إذا ذلَّ.