الَّذِي أَنْشَأَكُمْ {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ} .
وقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ابتداء وخبر، والإشارة إلى جعلهما حسبانًا، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز الذي قهرهما وسخرهما، العليم بتدبيرهما وتدويرهما.
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) } :
قوله عز وجل: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} قرئ: (فمستقِر) بكسر القاف على أنه اسم الفاعل من استقر، يقال: استقر في مكانه وقرّ، فهو مستقِرٌّ وقَارٌّ بمعنًى، حكى ذلك صاحب الكتاب، وهو مبتدأ وخبره محذوف، أي: فمنكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب، وقيل: مستقر فوق الأرض مستودع تحتها.
والمستودع: اسم المفعول به، ليكون مثل المستقر في أنه لغير المكان. وقد جوز أن يكون كلاهما اسم المكان، والتقدير على هذا: فلكم مستقر في الرحم أو فوق الأرض، ومستودع: أي مكان تودعون فيه، وهو ما ذكرت آنفًا.
وقرئ: (فمستقَر) بفتحها، على أنه مصدر، ورفعه بالابتداء أيضًا،
والخبر محذوف، أي: فلكم استقرار، أو اسم مكان، أي: فلكم مكان تستقرون فيه، فالمستقَر بفتح القاف بمنزلة المقر، كما أن المستقِر بكسرها بمنزلة القار.
والمستودع: مصدر مثله أيضًا، أو اسم مكان ليكون مثل المعطوف عليه. فإن قلت: هل يجوز أن يكون مستقر مفعولًا به على قول من فتح القاف كالمستودع وهو الشخص الذي استودِع في الرحم على قول من كسر القاف على ما شُرح وأُوضح آنفًا؟ قلت: لا؛ لأن استقر لا يتعدى، وكل فعل لا يتعدى لا يُبْنَى للمفعول به، لأن حقيقة ذلك أن تَحذِفَ الفاعل وتضع المفعول به مكانه، وإذا لم يكن في قولك: استقر مفعول، لم يمكنك إسقاط الفاعل؛ لأنك لو أسقطته بقي الفعل بلا شيء يسند إليه، وأما المستودع ففعله متعدٍ، تقول: استودعت فلانًا مائةَ دينارٍ، فلذلك جاز أن تبنيه للمفعول به، فاعرفه.