فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت فأين الراجع إلى ذي الحال من الجملة؟ ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني زيد وأبوه منطلق كان في الجملة ما يعود إلى ذي الحال. قلت: ليس من شرط الجملة التي تقع حالًا أن يكون فيها ذكر يرجع إلى ذي الحال، بل يجوز أن تقول: أتيتك وزيد قائم، ولقيتك والجيش قادم، وقال امرؤ القيس:
206 -وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها ...
فالواو في (والطير) واو الحال، والجملة في موضع الحال من المستكن في (وقد أغتدي) ، وليس فيها ذكر راجع إلى ذي الحال كما ترى، وإنما [لم] يشترط ذلك لأن الحال مفعول فيها، فلا تحتاج الجملة إلى شيء أكثر من الدلالة على أنها مفعول فيها وقد دلت الواو على ذلك، كما أنك إذا قلت: خرج زيد يوم الجمعة، لم تحتج إلى ذِكْرٍ يرجع إلى زيد، وإنما المعنى: خرج زيد في يوم الجمعة.
وأغتدي: أفتعل من الغدو، والوكنات: جمع وُكْنَةٍ، وهي مأوى الطائر في الجبال.
وقوله: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} فيه وجهان:
أحدهما: أن الملائكة يبسطون إليهم أيديهم قائلين: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، تغليظًا لحالهم، كأنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه إكراهًا له، قيل: وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح والتشديد في الإِزهاق من غير تنفيس وإمهال.
والثاني: أن الملائكة يبسطون أيديهم بالعذاب. {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} : خلصوها من أيدينا.
وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} {الْيَوْمَ} : يحتمل أن يكون ظرفًا لـ {تُجْزَوْنَ} ، وأن يكون ظرفًا لـ {أَخْرِجُوا} على معنى: خلصوها اليوم من أيدينا، وقد ذكر آنفًا. والهُون بالضم: الهوان الشديد. والعذاب: مفعول ثان لتجزون.
و {تُجْزَوْنَ} : يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: أنتم تجزون، وأن يكون حالًا، أي: مجازَين.
وقوله: {غَيْرَ الْحَقِّ} يحتمل أن يكون مفعول {تَقُولُونَ} ، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: قولًا غير الحق.
وقوله: {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ} عطف على قوله: {بِمَا كُنْتُمْ} أي: وبما كنتم، وقد جوز أن يكون مستأنفًا. و {عَنْ} متعلقة بـ {تَسْتَكْبِرُونَ} بمعنى: فلا تؤمنون بها.