وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْعَامَ يُوجِبُ عُلُوَّ حَالِ الْمُنْعِمِ وَدَنَاءَةَ حَالِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْعِمِ، فَإِذَا حَصَلَ التَّوَاضُعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ فَذَاكَ خَيْرٌ مِنْ حُصُولِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْخَلْقِ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ طَلَبَ عِنْدَهَا مِنْكَ عَمَلًا تَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى اسْتِحْقَاقِ نِعَمِ الْآخِرَةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُكَ بِأَنْ تَكْتَسِبَ لِنَفْسِكَ سَعَادَةَ الْأَبَدِ، وَأَمَّا غَيْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ أَمَرَكَ بِالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَتِهِ وَالِانْصِرَافِ إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَالَةَ الْأُولَى أَفْضَلُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ يَصِيرُ كَالْعَبْدِ لِلْمُنْعِمِ، وَعُبُودِيَّةَ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ عُبُودِيَّةِ غير الله.
الرَّابِعُ: أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ فَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَفَاصِيلِ أَحْوَالِكَ، فَقَدْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ حَالَ مَا تَكُونُ غَنِيًّا عَنْ إِنْعَامِهِ، وَقَدْ يَقْطَعُ عَنْكَ إِنْعَامَهُ حَالَ مَا تَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى إِنْعَامِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْعَامِ عَلَيْكَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَبِجَمِيعِ الْمُرَادَاتِ، أَمَّا الْحَقُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ بِكَ حَاجَةٌ عَرَفَهَا، وَإِنْ طَلَبْتَ مِنْهُ شَيْئًا قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَفْضَلُ.