فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 170

كما أن الإنسان إذا أعتقد شيئا يجد في نفسه التوقان إلى تطبيق ذلك في حياته العملية، وبهذا التطبيق الذي هو أثر من آثار الاعتقاد القلبي يرسخ هذا الاعتقاد حتى يغلب على مشاعر الإنسان.

فشرع الله تعالى على الناس عبادات سلوكية عملية فيها صلاح لنفوسهم، واستقامة قلوبهم، مما يؤدي إلى سلوك الطريق الصحيح لشكر ربهم والقيام بما يبلغهم رضا ربهم ويكسبهم سعادة الآخرة. وفيها أيضا صلاح لأمرهم في اجتماعهم في هذه الحياة الدنيا مما يعينهم على إقامة دينهم ونشره بين الناس، ومما يكفل لهم العيش الحسن والسعادة الاجتماعية في هذه الدنيا.

فشرع الله تعالى الصلاة سلوكا عمليا معبرا عن صدق الاعتقاد، والزكاة سلوكا عمليا لإصلاح الوضع الاجتماعي والاقتصادي والصوم لتربية النفس البشرية، والحج مؤتمرا جعلها لصلاح حال المسلمين. وجعلها الله تعالى فروضا وواجبات من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد ضل واتبع الهوى. وفيما يلي سأضرب بعض الأمثلة لهذه العبادات السلوكية بنوع من التفصيل.

أولًا: الصلاة:

الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين اللتين هما عنوان الإيمان القلبي، والإقرار به من أركان الإسلام معبرا عن صدق الاعتقاد، وسلوكا عمليا لمحبة الله تعالى، يتجه الإنسان إلى خالقه يناجيه في خضوع وخشوع ومحبة وخوف ورجاء، يلقي عن كاهله أدران الدنيا وحطامها ويسمو بروحه إلى عالم لخلود، فتصفو روحه وتسمو عن أزمات هذه الدنيا فينتهي من الصلاة وكأنما اغتسل من جميع أدرانه النفسية والروحية، فيقبل على الحياة العملية بقلب مطمئن، ونفس منشرحة متصل بالله تعالى في كل أموره، فتنعكس آثارها على سلوكه في الحياة اليومية فيبتعد عن فواحش الأمور، وتستقيم سريرته وعلانيته. وصدق الله تعالى حيث قال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [1] . وبتلك السعادة الروحية التي يجنيها الإنسان من صلاته، من استغفاره وطلبه ودعائه ومناجاته يبدأ عمله في جماعته فيكون عضوا صالحا في مجتمعه ولبنة من لبنات تقدمه وحضارته المستقيمة.

فالصلاة الحقيقية في الإسلام تمد المؤمن بقوة روحية نفسية تعينه على متاعب الحياة ومصائب الدنيا، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [2] .

ثانيا: الزكاة:

والزكاة هي العبادة المالية الاجتماعية معروفة إجماليا لكافة المسلمين، فهي تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم، فلا تجب إلا على من يملك النصاب بشروطه، وهي طهرة للنفس والمال. يزكى بها الإنسان

(1) سورة العنكبوت. آية 45.

(2) سورة البقرة. آية 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت