إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) [1] ، وغير ذلك مما يفيد القطع بدوام عذاب النار بالنسبة للكفار والمشركين. لذا ثبت من كل هذه الأدلة خلود أهل النار فيها، الذين لا يرحلون ولا يبيدون وهم الكفرة والمشركون. هذا بالنسبة للكفار والمشركين.
أما العصاة من الموحدين يدخلون الجنة في آخر أمرهم، كما ثبت في الحديث بأن بعد ما يخرج من النار من كان يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ويدخلون الجنة، يأمر الله تعالى أن يؤتي بالموت على صورة كبش أملح، ويجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. ويقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» [2] .
فالنار خالدة لا تفنى ولا تبيد، ونقل ابن حزم اتفاق الأمة على ذلك، فقد جاء في كتابه «الفصل في الملل» قوله: «اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف، وقومًا من الروافض» [3] .
هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمشركون فهم فيها خالدون. كما قرر ذلك أهل السنة في مصنفات العقائد، والنصوص الدالة على خلود النار كثيرة جدًا، كما ذكرنا بعض منها آنفًا.
لقد أطال القرآن في تبيان جرائم الخالدين الذين استحقوا بها الخلود في النيران، ونحن نذكر هنا أهمها
1 -الكفر والشرك: فقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الذين كفروا ينادون عندما يكونون في النار. فيقال لهم: إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم أنفسكم بسبب كفركم بالإيمان، ثم بين أن خلودهم في النار إنما هو بسبب كفرهم وشركهم {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [4] .
(1) سورة هود. آية 106، 107.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ص: 1237، رقم الحديث: 40.
(3) الفصل والملل والأهواء والنحل، لإبن حزم، الكلام في بقاء أهل الجنة والنار أبدا، ص: 4/ 83.
(4) سورة الغافر. آية 10 - 12.