ويلبث الرسول ( ثلاث سنوات يدعو للدين الجديد سرًا في بيوت الفقراء والمساكين حتى التحق بالدعوة خلق كثير، ويعقد القرشيون صلات مع الفرس لتوثيق تجارتهم بعد اكتساحهم الشام وانتصارهم على الروم، ويأسى المسلمون لانتصار الفرس، وتتسع الدعوة فتتجاوز مكة، ويقرر الرسول ( أن يدعو بني عبد المطلب عشيرته الأقربين إلى الدين الجديد، فيتحولوا عن عبادة الأصنام.
وبسبب ضغط الفرس على بلاد الشام، اضطر قيصر روما فوكاسي أن يصالح الغساسنة، وأقام عمرو بن الحارث ملكًا على البلقاء وبصرى وفلسطين، ولكن الفرس اجتاحوا سورية وطردوا أمراء الغساسنة، وقتلوا عمرًا وجبلة بن الأيهم.
وكانت أنباء الدعوة الجديدة قد بلغت دمشق ولم يكن أهلها أقل تعاطفًا مع الدعوة بسبب ما عانوه من آلام ومحن بسبب صراع الروم والفرس. كذلك لم يكن أهل العراق أقل حماسة لها بعد أن زحزح الفرس عن الحيرة، وعينوا عليهم عميلًا لهم يدعى إياس بن قبيصة.
ودعا الرسول ( بني عبد المطلب إلى طعام في بيته، وبعد أن شبعوا خطب فيهم قائلًا:
[يا بني عبد المطلب، إني ما أعلم شابًا في العرب جاءكم بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذه الأمر يكون أخي وصاحبي] .
ولم ترقهم لهجته، فضحكوا منه، فما ثناه ضحكهم.
وسار حتى بلغ الصفا على جبل أبي قبيس ورأى الفرصة سانحة، فاستند إلى عصاه، وصاح بقريش، فاجتمعت كلها، ودعا قومه للإيمان فأنكر عليه أبو لهب دعوته، وجابهه والشر يقطر في عينيه فحماه عمه أبو طالب، وأبدى إصراره على نصرته.
وتجتمع قريش كلها في دار أبي طالب، ويقول أبو طالب لسيد قريش: أي ابن أخي.. هؤلاء مشيخة قومك.. وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك..
فيقول السيد: أي عم.. أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها. كلمة يقولونها تدين لهم العرب بها، ويملكون رقاب العجم.
قال أبو جهل: ما هي..!