مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 41 - السنة 11 - تشرين الأول"أكتوبر"1990 - ربيع الثاني 1411
فهرس العدد
لو سألت أحد أبناء جيل العشرينات من الشبان عما إذا كان قد قرأ رائعة معروف الأرناؤوط"سيد قريش"فمن المرجح أنه سيقلب شفتيه بحيرة، كأنك تسأله عن إحدى الأوابد التي عفّى عليها الزمن، وقد يحالفك التوفيق إن قال لك أحدهم: نعم، سمعت بهذا الأثر غير أنني لم أقرأه.
ولو عدت إلى جيل الخمسينات لتبين لك أن جل أبناء هذا الجيل قد تتلمذ على هذا الكاتب العملاق الذي كان يزحم بمنكبيه أمراء البيان من أمثال الرافعي والمنفلوطي. فقد كانت روايته معروفة متداولة، تسحر قراءها ببيانها الرائع، وبلاغتها الآسرة، يوم كان نهر الثقافة العربية صافيًا لا تكدره الأساليب الهجينة أو الترجمات الرديئة. يوم كان شبابنا يتلمسون سحر الكلمة، وتهزهم حلاوة التعبير.
وليس لك أن تعلل ذلك العزوف عن روائع آثارنا الأدبية، وعن رواية"سيد قريش"نفسها بمسايرة أبنائها للتطور، وانصرافهم إلى الأدب الحديث بسبب التغيير الذي طرأ على الصياغة الأدبية أو بحجة القارئ العربي لا يستسيغ قراءة النصوص الأدبية التي كانت في عصر سابق، ولا يتحمل ما في كتابة الأرناؤوط من ترادف وتوازن، وعناية بأشكال التعبير وأناقة في الصور، وهو يعيش اليوم في عصر السرعة، ويلتمس الوصول إلى الفكرة بأيسر السبل من رومانسية حالمة، وعواطف مرهفة، وهي حجج مغلوطة، ففي أدب كل عصر من القيم الإنسانية الخالدة والأساليب الممتعة ما يحفز الإنسان إلى قراءته، والتمتع بجماله، وإلا لكانت الإنسانية تهجر اليوم قراءة هوميروس أو شكسبير لأن في أدبهما الكثير مما تجاوزه عصرنا ونأت عنه أذواقنا، وخالفه تفكيرنا.