مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
فهرس العدد
المجتمع و المرأة في شعر أبي العلاء المعري ـــ جمانه طه (_edn1*) ... إلا وعندي من أخبارهم طرف
قد يروق للمرء أن يصحب شاعرًا من الشعراء كالبحتري أو أبي تمام أو أبي الطيب المتنبي، وقد تطرب لهؤلاء في ما جادت به قرائحهم من غزل أو وصف أو مديح أو رثاء، ولكن صحبة أبي العلاء المعري فيها الكثير من المشقة والكثير من العنت، فأنت مع شاعر يجوب الآفاق وهو قابع في معتزله، متوحد مع ذاته، ينتقل بك في هذا الوجود الفسيح الغامض، فيهتك لك الكثيف من أستاره والغامض من أسراره، فلا تدري أأنت في عالم الشعر أم في عالم الفكر. وهذه لغته التي يحدثك بها، تعرفها المعاجم ويتكلم بها أرباب الأدب. تصغي إليها، فإذا هي لغة متمردة مشاكسة، تحمل من قلق الفكر وحيرة النفس وتوجع الروح، ما يحملك على ألا تجد في الوجود سوى القلق والحيرة والتوجع.
كان أبو العلاء (أحمد بن عبد الله التنوخي) ، واسعَ الثقافة جمَّ الإطلاع، شغوفًا بتقصي المعرفة وتتبعِ ما أنتجته العقول من علم وفلسفة وشعر وحكمة. وكان لا يفتأ يصغي إلى ما شاع من أصول الديانات وحقائق الملل والنحل، واختلاف الفلاسفة. وكان لا يفتر عن التعرف إلى علم الفلك والنجوم وطبائع الحيوان، ووظائف الجماد، ما جلَّ منها وما دقَّ، وما خفي وما ظهر. وإلا لم يقل:
ما مرَّ في هذه الدنيا بنو زمن
ولا عجب في ذلك، فقد نشأ أبو العلاء في أسرة عريقة وفي كنف والد عُرف بالعلم والقضاء والثراء. كما أنه عاش مع عصر كانت فيه المعارف والعلوم قد تشعبت مسالكها وتنوعت فنونها، واشتد التراع بين أصحابها والمشتغلين بها. ... هاجرت في حبهم رهطي وأشياعي