مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 31 - السنة الثامنة - نيسان"أبريل"1988 - شعبان 1408
فهرس العدد
في علم الجمال وفلسفة الفن: الوجه الآخر للفنان أو العلاقة بين الأثر الفَنّي وَحيَاة الفنان ـــ د. عبد الكريم اليافي ... وصوّت إنسان فكدت أطير
بعض الجواهر يبدو بلون واحد مهما تََقَلَّبَ النظر فيه. وبعضها يبدو بلونين أو أكثر إذا نُظِر إليه من وجوهٍ شتى.
ويذكر البَدريّ في كتابه الجميل"نزهة الأنام في محاسن الشام"إنه رأى بالشام الكرمة الواحدة تطرح العنب الأبيض والأسود والأحمر، ورأى بوادي النيربين شجرة التوت تطرح التوت الأبيض والأسود. (ص 360) .
أما الإنسان فهو على خلاف الجماد والنبات يتمتع تمتُّعًا طبيعيًا بالحريّة. فهو أشد تلونًا من الجواهر وأكثر عطاءً من الكرمة. وآثاره الفنية أشهى من العنب وأدهى من بنت العنب كما أنها أعلى قيمة أحيانًا من الجوهر.
في الأدب العربي القديم نقرأ هذا البيت المتشائم لدعبل الخزاعي:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
ونرى فيه بعدًا فلسفيًا عميقًا. إن الخوف من الإنسان آت من حرية الإنسان بالمعنى الواسع للحرية. ذلك أنه إذا عرفنا ردّ فعل الحيوان إزاء شيء ما فلسنا نعلم بالضبط ردّ فعل الإنسان تلقاء واقع معيَّن. ذلك أن انفكاك القول عن العمل وتفاوت الظاهر والباطن من الأمور الممكنة المتعارفة. ولعل أكثر التفاوت بين الأثر الفنيّ وحياة الفنان يقع في العهود المضطربة المتقلبة. ولعل أبلغ مثال نورده ما حصل للشاعر الألماني شيلر والموسيقيّ الكبير بتهوفن في العهد الرومنسي وكيف اختلفت ثمرات إنتاجهما الفنيّ عما عانياه من تباريح وعايناه من مِحَن. ... لو هبَّت الريح به طاحا؟