مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد التاسع - السنة الثالثة -المحرم 1403 تشرين 1 - أكتوبر 1982
مَلامح لمستوى المعيشة في التاريخ العربي الإسلامي ودراسته في العصر الحاضر - د. عبد الكريم اليافي ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم
كثيرًا ما يشبه المجتمع بالفرد ويشبه الفرد بالمجتمع.
إذا أردنا أن نصف إنسانًا ما ونحكم عليه انتبهنا لصحته ونظافته ولباسه ومسكنه ودخله وخرجه ثم لثقافته وخلقه واتجاهه الفكري وبوجه عام لمستوى معيشته وحياته.
كذلك إذا أردنا أن نصف فئة من الناس أو جماعة أو شعبًا ونحكم عليهم لزم أن ننتبه لخصائص ذلك الشعب أو الجماعة أو الفئة من الناحية الطبيعية التي تضم قضايا الصحة والسكن والتغذية وللجوانب الاجتماعية التي تشمل الثقافة والمزايا الإنسانية التي يستمتع بها أفراد الشعب وبوجه عام نحاول أن نحدد مستوى المعيشة لديهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
ولكن تحديد مستوى المعيشة هذا لدى شعب من أصعب الأمور، لأن هذا المستوى يشمل عناصر كثيرة ومتفاوتة تتباين فيها المجتمعات كما تتباين الأفراد كالعلوم والفنون والمرافق الثقافية ومقدار الرزق والرفاهية وأحوال العمل والأمن والمسكن والنظافة والصحة.
ويزيد الأمر صعوبة أنه لما كان مستوى المعيشة يستعمل في الغالب للموازنة بين المجتمعات لزم تقدير تلك الخصائص والعناصر تقديرًا دقيقًا، تقديرًا كميًا ما أمكن أي مفادًا بأرقام منسوبة للشخص أو الجماعة أو الطبقة الاجتماعية أو الشعب. ولا يتيسر أن نتتبع أحوال الناس فردًا فردًا، ولذلك لا بد من النظر إلى هذه الأمور نظرة وسطية إحصائية واعتبار مستوى المعيشة وقياسه أمرين تقريبيين. وسنعود فنناقش هذا الموضوع في نهاية البحث.