مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثالث - السنة الأولى - تشرين الأول"اكتوبر"1980
يعد الغزالي من أعلام الفكر العربي في الإسلام، الذين ما زال الجدل والحجاج يدوران حولهم، في محاولة لإظهار حقيقتهم. ونحن نريد من هذا المقال، أن نرى الوجه الحقيقي للغزالي، من خلال أزمته الروحية، أزمة الشك واليقين، التي مر بها.
لقد سبق لنا أن عرضنا لقيمة العقل عنده (1) ، وخرجنا بنتيجة رأينا فيها، أن الغزالي كان متكلمًا استخدم أساليب الفلسفة، في سبيل أن يحارب الفلاسفة بنوع السلاح الذي يستعملونه. ونريد ههنا أن نفحص عن الرأي الذي يقول: إن الغزالي انتهى متصوفًا.
والحقيقة، إن الغزالي درس العقائد التي كانت منتشرة في عصره، عساه يجد الحق الذي كان يبحث عنه. وبهذا الصدد يقول:"ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض، بفضله وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون... الباطنية... الفلاسفة... الصوفية... (2) ".
ثم يعقب على ذلك قائلًا:"فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته (3) ."
ولكن، هل بر الغزالي بوعده، فلم يرجع إلى التقليد بعد مفارقته؟
هذا ما نريد الإجابة عنه في هذا المقال.
ولكي نتمكن من الإجابة، لا بد لنا من الفحص عن ذلك في كتبه. وهنا تصادفنا مشكلتان لا بد لنا من أن نأخذهما مأخذ الاعتبار، إذا شئنا أن نكون منهجيين في بحثنا. أولاهما مسألة التفريق بين كتبه الموثوقة والمنحولة، وثانيتهما مسألة ترتيب كتبه الموثوقة تاريخيًا. فمن دون ذلك، تكون النتيجة التي نصل إليها غير مقبولة.