مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني - السنة الاولى - أيار"مايو"1980
المديرية العامة للآثار والمتاحف- دمشق
لم يكن قصدنا عند الحديث عن وحدة الحضارة العربية1 أن نقوم بعمل أثري ننقب فيه عن معالم الماضي في شخصية الأمة العربية، بل إنما أردنا أن نحدد الهوية العربية بعيدًا عن التفسيرات العرقية التي كانت سائدة في عصر القوميات، وأن نضع مقومًا أكثر تشخيصًا لمفهوم القومية، ليس بالنسبة للأمة العربية وحسب، بل بالنسبة لأية أمة تحدد مقوماتها من خلال وجود إنساني تاريخي، ولكن هذا المنطلق التاريخي الواقعي قد يبدو تنظيرًا مجردًا يصعب على التحقيق، فإذا هو انطبق على الماضي فمن الصعب أن ينطبق على المستقبل، وهكذا تبدو الشخصية العربية كيانًا أثريًا محنطًا.
ولكي لا نقع في حبائل التجريد، كان لا بد من البحث عن منهاج عملي لبعث الوحدة الحضارية التي كانت إطار الوجود العربي في تاريخه الطويل، ومن المؤكد أن هذا المنهاج لن يكون بإعادة ترميم آثار الحضارة القديمة لوضعها في متاحف الحاضر، ولن يتم عن طريق تكرار ونسخ الحضارة السالفة أو حتى تقليدها، فليس المستقبل الزاهر تكرارًا لماضٍ زاهر، فكما أن التاريخ والزمان لا يتكرران، كذلك الحضارة فهي لا تتكرر لأنها كيان مادي يختزن مواقف الإنسان وإبداعاته عبر الزمان. فهي طاقة ثقافية تمد المستقبل بمعطيات أصلية، أو هي روح متنامية لوجود قومي متحرك.