مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 74 - السنة 19 - كانون الثاني"يناير"1999 - رمضان 1419
فهرس العدد
تكتسب مقولة السببية أهمية خاصة في تاريخ الفلسفة وفي نظرية المعرفة، فهي تطرح علاقة الفكر بالواقع بالتجربة، والعلم بالحرية، ودور العقل والإنسان في معرفة الواقع وتغييره.
فهي كمقولة لم تكن مقولة جامدة تامة الصنع، بل خضعت باستمرار للتطوير والإضافة، كما لم توجد كمقولة مادية صافية، بل اختلطت بالكثير من الملامح المثالية لدى القائلين بها من الفلاسفة الماديين، أو سمات مادية لدى الرافضين لها من الفلاسفة المثاليين.
وفي نظرية المعرفة انقسم الفلاسفة إلى معسكرين متقابلين طبعًا لنوع إجابتهم على نوع السؤال الأساسي في الفلسفة.
هل الأولوية والأسبقية للواقع الموضوعي كمصدر للمعرفة، أم للفكر والوعي؟.
وهنا لانقصد بهذا الانقسام الحاصل اختزال كل غنى وتاريخ التراث الفلسفي إلى آلية ثنائية تبسيطية. أي إلى جانب مادي يمثل دومًا العقل والحقيقة، بينما الجانب المثالي المقابل يمثل الزيف، والأوهام بشكل مطلق.. فلا وجود هناك لأي تصور متكامل منذ البداية للمفهوم المادي عن العالم، كما أن بعض الفلاسفة المثاليين المبدعين سواء القائلين منهم بالمثالية الذاتية أم الموضوعية ساهموا في إغناء التراث الفلسفي بأكثر مما أغناه بعض الفلاسفة الماديين.
وبدوره كان التفسير العقلي الموضوعي للعالم، يتطور باستمرار من خلال الصراع مع النزعات اللاعقلية المثالية وذلك إلى حد يمكن القول معه بأن نضج العقلانية ترافق مع هذا الصراع تبعًا لمستوى وإبداعية كل فيلسوف.