لقد تمحور الصراع بين المادية والمثالية حول العديد من القضايا والمقولات، وكانت مقولة السببية من أبرزها، وحيث اعتبر ابن رشد أن من رفع الأسباب رفع العقل فالعلاقة السببية في الواقع الموضوعي تعبر عن ارتباط ضروري واقعي ذلك لأن الفلاسفة المثاليين القائلين بأولوية الوعي والروح أو الأحاسيس.. الخ لم ينكروا أو ينفوا كلية مقولة السببية فهم يقرون بها لكنهم يحولونها إلى مجرد عادة أو اطرّاد في الحدوث (الغزالي، هيوم) وغيرهام أو إلى ظاهرة قبلية مفطورة في العقل (كانت) ، أو كنتيجة لتجليات الروح المطلق (هيغل) .
والواقع أن المعرفة تستحيل بدون مبدأ السببية لكونها معرفة الأسباب وقوانين الموجودات والظواهر، وكذلك يستحيل التقدم العلمي القائم على البحث المتواصل عن الأسباب كما أن الفكر التصوري الفلسفي والعلمي ينطلقان من مبدأ البحث عن الأسباب، كل ضمن سياق نهجه ومثاله الخاص.
ويذهب هيدجر إلى القول بأنه لا يمكننا أن نقارن ما يطرحه مبدأ العلة والطريقة التي يطرحها من خلالها، بأية قضية أخرى من حيث الأهمية، فهو كمبدأ لا يكتفي بصياغة قاعدة أو قانون بل يقول شيئًا لا يقبل المساومة، ولا يمكننا أن ننتقص منه، فكل ما يوجد وكل ماهو موجود له بالضرورة علّة ما.