مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 74 - السنة 19 - كانون الثاني"يناير"1999 - رمضان 1419
فهرس العدد
نحتفل هذه الأيام بمبادرة من المركز الثقافي الاسباني في دمشق في ندوة ابن رشد الدولية بذكرى مرور ثمانية قرون على وفاة الفيلسوف الأندلسي العربي الكبير ابن رشد، ونحن نعتبر أن الاحتفال بهذه الذكرى هامة، لأن المسائل التي واجهت هذا المفكر العظيم لا تزال على جدول أعمالنا، وإن في سياق تاريخي آخر، فسيادة العقل والتنوير والنظر السياسي المدني والعدالة الاجتماعية والبحث العلمي في ظاهرات الطبيعة والمجتمع والتحرر من السلطات التي تقيد حركة الفكر لا تزال موضع اهتمامنا الأول.
وإذا كان ابن رشد قد أطل على شؤون عصره من ذروة التطور الذي بلغته الحضارة الإنسانية آنذاك، فلا نزال نحن اليوم نواجه مشاكلنا في وضع لا يتسم بالتحديد الدقيق الشامل الأبعاد الصراع التاريخي والحضاري الذي يمثل كما يقال اليوم إشكاليتنا.
إن قراءة ابن رشد الذي اليوم لا تلغي تخلفنا، ولكنها تدعونا إلى القول بأن تجاوز التخلف والعجز والتمزق والظلام ليس أمرًا مستحيلًا وهي لا تربطنا بالماضي، بل إنها إذ تشدنا إليه تضعنا وجهًا لوجه أمام مشاكلنا الراهنة وتدفعنا إلى أن نعيّن بدقة دور ابن رشد في الصراع التاريخي الذي نشب في عصره وعصور أوروبا اللاحقة، وأن نتعرف على مدى استيعابه لمشاكل عصره وعلى أهمية نهضته الشاملة إلى الحياة والإنسان والعقل والمجتمع، وتحفزنا على دراسته وتقييمه وتعيين دلالة وظيفته الفلسفية في عصره والعصور اللاحقة، بما فيها خطابه لنا الآن. لقد سماه الغرب على لسان (دانتيه) "الشارح الأكبر"، وأكد معاصروه أنه سلطان العقول والأفكار، فلا رأي إلا رأيه، ولا قول إلا قوله.