مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان: 11 - جمادى الآخر 1403 نيسان"أبريل"السنة الثالثة و 12 - رمضان 1403 تموز"يوليو"1983
فهرس العدد
الاجتهاد في التشريع الإسلامي ـــ د. إبراهيم سلقيني
1-تمهيد
لعل أوجز ما يوصف به الاجتهاد أنه أحد مصدرين للأحكام في الفقه الإسلامي. ذلك لأنه مهما يختلف علماء الأصول في الأدلة الشرعية، وفي عددها، فهم متفقون على أن هذه الأدلة ترجع في جملتها إلى مصدرين هما: النصوص، والاجتهاد.
وإذا كانت النصوص تشمل نوعين من الأدلة، هما: القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ويمكن أن يرجع إليهما الإجماع في كثير من صوره، كما تلحق بهما فتوى الصحابي، فالذي لا شك فيه أن سائر الأدلة ترجع إلى الاجتهاد، ومن بينها بعض أنواع الإجماع، والقياس كله، والاستصلاح والاستحسان والاستصحاب ومراعاة العرف...
ومن هنا نستطيع أن نعلل لتلك القضية المشهورة التي تقول: (لا اجتهاد مع النص) ، إذ الاجتهاد كما رأينا مقابل للنص، وقسيم له، فلا يمكن أن يجتمعا.
على أنه لكي تصح هذه القضية يجب أن يقيد النص فيها بالقطعي، إذ النص القطعي في سنده وفي دلالته معًا هو الذي لا مجال معه للاجتهاد، أما سائر الأدلة ومن بينها النصوص الظنية في سندها، أو في دلالتها، فإن الاجتهاد هو مصدر الاستدلال بها.
وقد اختص الله عز وجل الشريعة الإسلامية بميزتين حين جعلها عامة دائمة، وطالب جميع الناس بالاحتكام إليها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهل كان ممكنًا أن تفي هذه الشريعة بحاجات الناس جميعًا منذ شرعت إلى نهاية هذه الحياة، دون أن يمدها الاجتهاد بجديد من الأحكام، كلما واجه الناس جديدًا في حياتهم.
حقيقة خص الله عز وجل الإسلام بميزة أخرى، حين أبقى معه معجزته، وهي القرآن الكريم، ليكون لها من دوامه دليل على دوامها.