مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني - السنة الاولى - أيار"مايو"1980
بعد سبات طويل امتد أكثر من ألفي سنة، استفاقت (ماري) الحاضرة العربية القديمة على الضفة اليمنى للفرات، ومن أعماق تراب (تل حريري) حيث كانت تستقر بين أطواء الظلمة والدمار فتدفقت مقادير مذهلة من المعلومات والتحف والوثائق، وبرزت مساحات كبيرة من المعالم المشعة بالوظائف الروحية والسياسية والعسكرية، وبعثت المكتشفات أضواء ساطعة على مرحلة حافلة من تاريخ الشرق الأدنى القديم وأحداثه، قبل نحو أربعين أو خمسين قرنًا.
ويصف الأستاذ أندريه بارو مكتشف (ماري) نفسه، نتائج التنقيب في هذا الموقع بأنه (أزاح الستار عن كنوز مذهلة حان الوقت لتحديد أطرها) وأكد (أن الحقيقة فاقت دائمًا الخيال في ماري) حيث كانت (هناك نيران ساطعة هائلة تتوهج قبل أربعة بل خمسة آلاف سنة على ضفاف الفرات الأوسط) .
في الثلث الأول من القرن العشرين كانت (ماري) مدينة مجهولة ورد ذكرها على تمثال موجود في المتحف البريطاني نقش عليه اسم (ايكو شمس- ملك ماري) ، كما ذكرت أيضًا على تمثالين ومنحوتة في متحف استانبول، إضافة إلى أن وثائق حمورابي ملك بابل تتحدث عن انتصاره على (ماري) ودمارها على يديه.
وكان العلماء الأثريون يبحثون عن ماري في شريط يمتد على الضفة اليمنى لنهر الفرات بين دير الزور وهيت طوله ثلاثمائة كيلومتر، ولم يلفت أنظارهم في البداية (تل حريري) لأنه كان أقل ارتفاعًا من التلال المنتشرة في منطقة ما بين النهرين من الشمال إلى الجنوب، أو من الجزيرة إلى شط العرب، ولبعد موقعه عن مجرى النهر قليلًا.