مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 37 و38 - السنة العاشرة - تشرين الأول كانون الثاني"أكتوبر ويناير"1990 - ربيع الأول جمادى الآخرة 1410
فهرس العدد
علم الزراعة عند العرب وَتأثيره في أوروبّا - سيمون لافلورييل ذاكري1 - ت.سَلمان حَرفوش
ليْسَ من اليسير على الباحث أيًا كان أن يقدم وصفًا دقيقًا وشاملًا لما ساهم به علم الزراعة عند العرب في الحضارة الأوروبية، إذ لا تتوافر بين أيدينا الوثائق الكافية والبحوث المستوفاة، لا على أرض الواقع ولا في بطون الكتب، فيتيح الإلمام الشامل الوافي بهذا الموضوع. وعلَّة هذا أن علم التاريخ إنما وجه اهتمامه بادئ ذي بدء إلى حضارات المدن. ويصدق هذا على الحضارة العربية الإسلامية التي ازدهرت إبان العصر الوسيط مثلما يصدق أيضًا على أوروبا.
نعم، إن مثل هذه الدراسات شائك عسير، لأنك إذا تناولت تأريخ الزراعة في أرياف العصر الوسيط فلن تقع فيه إلا على مادة شحيحة الوثائق، إذ لا تتهيأ لديك في هذا المجال النصب التذكارية، ولا الرسامون، ولا الشعراء، لا ولا المحاربون. وأما التطورات في الأرياف فهي بطيئة متأنية عبر العصور، ونادرًا ما تكون جذرية وثورية. فالنمط الزراعي الجديد يتموضع فوق النمط القديم الموجود منذ قرون وقرون؛ وأما محاولة توطين صنف جديد وأقلمته فتتطلب سنوات عديدة قبل أن يجتاز هذا الصنف بستان التجارب حيث يحتجز وسط احتياطات مشددة، وقبل أن يصبح عامًا وشائعًا، شأن النباتات الأخرى الشائعة والعامة في الأراضي المزروعة. وإن حياة الأرياف التي تعاني كثيرًا من وطأة التغيرات السياسية والتقلبات العسكرية دون أن تستمد منها فائدة تذكر، ودون أن تستفيد من حقب الازدهار إلا لمامًا، تظل على الدوام متواضعة، راضية بموقعها في الظل، بعيدًا عن دائرة الضوء.