فهرس الكتاب

الصفحة 8955 من 23694

ثم إن علم الزراعة ـ ويسميه ابن خلدون علم الفلاحة ـ يختلف عن بقية العلوم بارتباطه الوثيق بالمنطقة الجغرافية والمناخية. ونحن في هذه الدراسة إنما نصبّ اهتمامنا على بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث التقاليد على أشدها، وهي القادرة على حفظ استقرار التوازن البيئي الضعيف. وإليكم ما كتبه Fernand Braudel حين قدم وصفًا مختصرًا أوجز فيه خصائص الطبيعة المتوسطية.

"جبال شاهقة محيطة بالبحر إحاطة تكاد تكون تامة، وذرى سامقة مستفيضة شديدة الوعورة، تكللها الثلوج وتنتصب على سيف البحر وعند سفوحها سهول حارة تزهر فيها الورود وأشجار البرتقال، ومنحدرات قاسية حادة تنزل مباشرة في مياه البحر....".

تلك اللوحات المتشابهة تتكرر من أقصى شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى أقصاه فهي هي من بلد لآخر دون أي تغيير ملحوظ؛ وهاهو في أغلب الأحيان شريط ساحلي ضيق، مستو، مواز للبحر، فيه تنمو أهم المزروعات. أما من الطرف الآخر المقابل، خلف سلسلة الجبال، فيترامى بحر داخلي آخر ألا وهو الصحراء.

وعودة ثانية إلى Braudel الذي يكتب قائلًا:"هما قطبان متعارضان، البحر والصحراء، هذا من طرف وتلك من طرف آخر. وتتضارب حتى ألوانهما حيث يتدرج البحر من الأزرق إلى البنفسجي وحتى الأسود، وتبدأ الصحراء من الأبيض إلى الصلصالي والبرتقالي". (1) .

ثم يتابع:

".... والبحر والصحراء كلاهما ينتهيان بحضارات العالم على الضفاف ذاتها: ففيها أعماق أفريقيا البعيدة، وفيها صخب وفوضى الحياة البدوية المتنقلة مثلما فيها جميع ثروات آسيا....".

وهكذا كانت المواد الغذائية ومختلف السلع والبضائع الغريبة والثمينة تتوافد إلى هذا المجال الشحيح المحكوم على الأغلب بشظف الحياة وقسوتها. وكانت وسائط النقل متنوعة فمن أفواج السفن إلى قوافل الجمال، إلى السعي الحثيث والدؤوب للحجاج والتجار والعلماء والرجالة ذوي العزم والتصميم من كل حدب وصوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت