فإذا أردنا أن نسوق عن الزراعة العربية وما قدمته من منافع حديثًا له مصداقيته كان لابد أن نأخذ بعين الاعتبار هذين البعدين للإطار الذي تطورت ضمنه، وكان لزامًا علينا أن نحفظ في ذاكرتنا هاتين الصورتين: فواحدة نرى فيها المدن المزدهرة المترفة، والثانية تمثل طبيعة بينها وبين النباتات عداء مستحكم، وفيها لحياة الإنسان مشقة وعناء. إنه مجال يوجب على الإنسان التغلب على كل ما يحيط به: تربة هشة خفيفة تجرفها المياه كلما أطلقت العنان لنزواتها الطاغية، وسهول مستنقعية موبوءة، وأمطار يبدأ تهطالها عندما تنتهي الزراعات، ورياح جافة تنشر اليبس، وحرارة عالية تتسلط وتهيمن حيث ينضب الماء... فترى الفلاحين والمزارعين ـ 80 إلى 90% من السكان ـ وهم يتشبثون ما وسعهم بتلك الأراضي العاقة، القليلة المساحة، ويشقون باستمرار كي يستمدوا من السماء والتربة، وفي اللحظة المناسبة، ما يقيم أودهم. ولديك من الطرف الآخر، حيث المرافئ، مدن تجارية باذخة مترفة، وهي بمثابة مستودعات تكتظ فيها ثروات العالم قاطبة؛ وفيها فئة برجوازية نشطة، دائبة الحركة والحيوية، وقد ألفت حياة الأبهة فهي تبحث فيما وراء البحر وليس في داخل البلاد، عن المنتوجات النادرة المتنوعة التي ألفتها ولا تستطيع الاستغناء عنها أو العيش من دونها. نعم، من جانب، كان يعيش أغلب الأهلين حياة الشظف والقلة، قانعين بالنزر اليسير، وجلَّ اعتمادهم على ثلاثة مصادر زراعية متوارثة: الزيتون والكرمة والقمح، وهم تحت تهديد المجاعة باستمرار... ومن الجانب الآخر، أصحاب حظوة وامتياز يجب على الأهلين الواقعين في الشظف والضيق أنفسهم أن يقدموا إليهم منتوجاتهم العادية أو المترفة، بمقادير ومواصفات يجب زيادتها وتحسينها دون انقطاع.