أولئك الأمراء الأرستقراطيون، تلك الطبقة البورجوازية التي عمادها الصيارفة والتجار وملاك الأراضي، كانوا يستمدون جميعًا ثرواتهم من الأرياف، إما بطريق الضرائب التي كانت تجبى عن الأراضي والمحاصيل، وإما بطريق الاتجار بتلك المحاصيل وتصديرها إلى الخارج، وكان من بين ماهو مطلوب من الأرياف تقديم أهم المواد الأولية المستعملة في الصناعات المحلية أو البعيدة: من خيوط ومواد ملونة في الصناعات النسيجية، ومن عقاقير نباتية للصناعات الصيدلانية حيث كانت تجارة النباتات الطبية إبان العصر الوسيط رائجة وعميقة الفائدة؛ أضف إلى ذلك كله الجلود، والصموغ والمداد، ومواد الغسيل والتنظيف، الخ... وكان على الزراعة فوق كل ذلك أن ترد غوائل المجاعات وذلك بتوفير المواد البديلة لتأمين صناعة الخبز، وإن تكن تلك المواد ذات قيمة غذائية بسيطة، لأن الخبز، من أية مادة صنع هو أساس الغذاء؛ وتوفير الماء، وزيادة رقعة المساحات المزروعة: تلكم كانت أهم مشاغل وهموم المزارع في العصر الوسيط، مثلما كان من مشاغله أيضًا إكثار الأنواع الجيدة، وتوطين الأصناف الجديدة، مع تحسين الأساليب، ومضاعفة مردود الأراضي، وإنتاج بواكير نادرة ـ خارج أحوال الطبيعية ـ مما يعني زيادة سعر البيع، وبالتالي زيادة الربح. وكان من واجبه أيضًا توفير الملبس، والعناية بصروف العيش، وتحسين تلك الصروف مما يضفي عليها البهجة والسرور.... ضمن مثل هذا الإطار الرحب للمشاغل وآفاق التفكير، قُدِّر لعلم الزراعة في العصر الوسيط أن يتطور... وذلك العلم وما رافقه من تطور هما موضع اهتمامنا في هذه الدراسة.