مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون - نيسان 2006 - ربيع الثاني 1427
فهرس العدد
مقدمة:
كانت اللغة العربية في ماضي أمتنا لغة حضارة عظيمة، تخطّت حدود رقعة الدولة العربية الإسلامية إلى أوربا غربًا، وأقاصي الهند والصين شرقًا، حتى جاء المستعمر القديم، والاستعمار الحديث فاستهدفا أهم خصائص الوجود العربي، أعني أصالة الأمة وجوهرها اللغة العربية، لأن المستعمر أدرك أن اللغة القومية تشدّ الإنسان العربي إلى قومه، وتربة وطنه، وتربي فيه شخصيته القومية، ومشاعر العزة والانتماء. فكان إحياء اللغات الميّتة، وتشجيع انتشار اللهجات المحلية، وتعزيز استعمالها في الحياة العامة والرسمية، واتهام العربية بالقصور والعجز وعدم القدرة على مواكبة روح العصر الذي تسيطر عليه العولمة والغزو الثقافي، وكذلك نشر المؤسسات التعليمية ذات الأهداف المريبة، وانتشار الفضائيات العربية والأجنبية التي تبث أكثر برامجها بالعامية المحلية، بالإضافة إلى إفساد الذوق ومخاطبة الغرائز المناط ببعض الفضائيات العربية والأجنبية، كل ذلك من مظاهر هذه السياسة المناوئة.
لهذا ظل الاستقلال السياسي ناقصًا، لأن أهم أركانه، وهو التحرر من التبعية الفكرية والاقتصادية والثقافية، ما زال تحديًا خطيرًا يواجه شعبنا العربي، ويحاول أن يقتل في الإنسان العربي قضية الانتماء القومي، والإحساس بالأصالة الحضارية, والبعد الإنساني للحضارة العربية الإسلامية.