إن مبدأ العلة هو مبدأ جميع المبادئ، فهو ليس مبدأ بين مبادئ أخرى، بل إنه المبدأ الأعظم الذي يتبوأ الصف الأول بين المبادئ، وهو يبحث في الأساس حيث من الممكن أن يتأسس مبدأ الهوية على مبدأ العلة، فلا شيء موجود بما هو عليه بدون علة. ويصف (لا يتنس) مبدأ العلة بالمبدأ القوي العظيم، ويؤكد (هيدجر) بدوره بأن الشيء لا يوجد، أي لا يأخذ الشرعية كموجود إلا من خلال خضوعه لمبدأ العلة بوصفه مبدأ التأصيل، فما يبدو في الظاهر كمبدأ معرفي يصبح في الوقت نفسه وبوصفه تحديدًا مبدأ معرفيًا المبدأ الذي ينطبق على كل ما هو موجود، فما هو قوي في مبدأ العلة هو هذا النداء لتأدية العلة، وجعلها الشيء، وهذا النداء يحكم أي تصور إنساني.
ويتساءل (هيدجر) أليس هذا ما قصده (ليبنتز) حين قال: ها هنا في طبيعة الأشياء علة تجعل شيئًا ما يوجد بدلًا من لا شيء. أي لابد من علة ليوجد شيء ما بدلًا من لاشيء، وبذلك رفع (لايتنس) مبدأ العلة إلى مقام المبدأ الأعلى لكونه مبدأ إعطاء العلة، أو تزويد الشيء بالعلة. وهو مبدأ يدعي بأنه يقرر أو يبت بوجود الموجود.
إن الوجود والعلة يرنان الآن سوية على وزن واحد، أو يعزفان على وزن واحد، فمبدأ العلة لم يعد يحكي الآن عن المبدأ الأعظم لكل التصورات التي تشمل الموجودات وهو لم يعد يقول إن لكل شيء علة، وإنه الآن يحكي عن الوجود ويجيب عن السؤال ماذا يعني الوجود؟ والجواب الوجود يعني الأصل العلة.
ونلاحظ أن ابن رشد في تعريفه لمصطلح المبدأ في كتاب (تلخيص ما بعد الطبيعة) اعتبر المبدأ هو كل ما يقال عليه السبب، (فالمبدأ ليس سوى السبب، والسبب هو المبدأ) . هذا القول لابن رشد.
وهكذا يصبح السبب هو المبدأ الأعلى للموجودات، والذي يتواجد فيما هو عليه الشيء، كالمادة والصورة، وخارج الصورة كالفاعل والغاية.