ليس بناء المستقبل عملًا سياسيًا تقرره نظم وحروب، وإنما هو عمل حضاري صرف، يزداد إمكانًا بقدر ما يتضح التاريخ بأبعاده المختلفة، كما يزداد رسوخًا بقدر ما يتضح المنهاج العملي لبناء المستقبل، هذا المنهاج الذي قد يسمى ايديولوجية الحركة، وباعتقادنا أن هذه الايديولوجية تقوم على أربعة منطلقات، أولًا إيضاح معنى القومية، ثانيًا تحديد مفهوم الوحدة القومية، ثالثًا ربط الأصالة بالمستقبل وأخيرًا ربط الثورة بالثقافة.
القومية- الحضارة
كثيرة هي المصطلحات والتسميات المتداولة والتي تحمل مفهومًا نسبيًا عاميًا، دون أن يتحدد هذا المفهوم في تعريف دقيق يساعد في عملية تنظير الفكر وجعله أكثر علمية.
ولعل من أصعب الأمور وأعقدها تعريف المسلمات، إذ أنها تستقر بمعانيها النسبية في أذهان الناس ثابتة جامدة، وعندما تتعارض مع حدود التعريف العلمي تبدو وكأنها نظرية جديدة غريبة.
ولقد استغرقتنا، منذ بداية النهضة، أفكار عامية لم نستطع حتى الآن تحديدها علميًا، فأدى هذا إلى (ميوعة) التفسير والتأويل، وإلى فوضى الأفكار والاتجاهات، هذه الفوضى التي كثيرًا ما فسحت المجال لتسرب آراء وعقائد غريبة نفذت إلى قناعات فئات من الشعب متأثرة ببريق شكل بنائها العلمي أو الروحي.
ومما يؤسف له، أن أكثر الأفكار خطورة في تقويم واقعنا الذي نعيش، هي الأكثر تعرضًا لتلك العامية في التفسير والتأويل.
ومن هذه الأفكار الأساسية فكرة"القومية"التي كثيرًا ما تعني الرابطة العصبية، وقد تحققت بأسباب مختلفة.
والواقع أن التعريف يمكن أن يقترب من الإطلاق والشمول في كل مرة نستطيع فيها أن نترجم خصائص المصطلح ترجمة مادية مشخصة.
فعندما نتحدث عن الأمة فإن العنصر المشخص لهذا المصطلح هو عنصر الإنسان، فالأمة وهي مشتقة من الأم، هي إطار يربط مجموعة من الناس تحددهم أوصاف تاريخية واجتماعية وسياسية واضحة.