أما القومية فهي لا تعني الأمة بذاتها بل تعني خصائص هذه الأمة، هذه الخصائص المادية المشخصة التي تتجلى في التراث، وهو مجموعة عطاءات أمة من الأمم عبر التاريخ.
وليس هذا التعريف غريبًا عن تعريف الحضارة، لهذا نقول أن القومية هي الحضارة. ومن هذا المنظور تبدو القومية واضحة الأبعاد والمضمون وتصبح رابطة ثقافية اجتماعية يقوى الانتماء إليها بقدر ما يتوسع تعرفنا لتفاصيل الإنجازات والعطاءات الحضارية.
ونستطيع أن نتعرف القومية العربية من خلال طموح الأمة العربية عبر تاريخ طويل امتد منذ نهاية العصر الحجري، لكي تقدم لغة ما زالت قائمة، تتزايد مصطلحاتها مرتبطة بالمعاني ارتباطًا عضويًا، ولكي تقدم كتابة وأبجدية أفادت العالم بمعطياتها. ولكي تقدم عقائد سماوية حددت معنى المثل الأعلى الكامن في سر إلهي هو صبوة الإنسان للكشف عن معاني الوجود، وحددت بذلك مسار التاريخ واتجاه المستقبل.
ولئن كانت القومية تحدد بعنصر اللغة والدين والآمال، فليست هذه العناصر إلا صيغًا حضارية بذاتها، ولا بد من التعمق في فهم هذه العناصر لتوضيح معنى القومية.
وهكذا فإن معرفتنا للقومية العربية تتطلب اطلاعًا واسعًا على منجزات الحضارة، فليس الإيمان القومي مسألة غيبية أو عنصرية، بل هو ممارسة ثقافية واسعة. وبمعنى آخر إن الانتماء إلى القومية العربية، ليس عرقيًا وليس قسريًا، ثم هو لا يعني انتماءً وطنيًا وإن كان يشمله، ولا يعني انتماءً تمدنيًا فليست القومية هي رابطة عرق وجنس كما هو شأن مفهوم القومية في الغرب، وليس العربي عربيًا بنسبه بل بثقافته العربية، بتفاعله مع هذه الثقافة وتحمله مسؤولية الإبداع والبناء فيها. وليس هذا الانتماء قسريًا يفرض فرضًا عن طريق الاستعمار أو الاستبداد والاستعباد، بل هو تلقائي يبتدئ انتماء بالضرورة، وينتهي مع التوسع الثقافي التراثي انتماء بالفعل.