فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 23694

إن هذا يعني أن مجرد ارتباط إنسان ما بهوية مجتمع سياسي معين لا يعني انتماءً قوميًا بل على العكس فإن الانتماء القومي يؤكد الهوية الوطنية ويوضح أبعادها. ولأن مفهوم الحضارة يختلف عن مفهوم المدنية التي تعني شكل الحياة الذي تصنعه التقنية المتقدمة. فإن تبني هذا الشكل الحياتي أو ذاك، لا يعني انتماءً قوميًا ولا يؤثر فيه سلبًا، بل إنما يساعد على جعل الممارسة القومية أكثر معاصرة وأغنى تجربة. فإذا كان الانتماء القومي هو الممارسة الحضارية الأصيلة، فإن فتح النوافذ أمام أشكال المدنية العالمية هو ربط هذه الممارسة بالثقافات العصرية، وإبعادها عن السلفية التي تجعل من الانتماء القومي موقفًا رجعيًا

إن ما أتينا عليه من توضيح لمعنى القومية يساعدنا كثيرًا في تنظير فكرنا القومي. فليس المقصود أن نقيم ايديولوجية لاحقة للواقع القومي، لكي تساعدنا في تنظير فكرنا القومي، بل كثيرًا ما كانت الايديولوجية قاعدة نظرية تفرضها السلطة السياسية فرضًا، وهي تزول وتتغير بزوال وتغير هذه السلطة. وكثيرًا ما كانت إسارًا للفكر وتعميمًا للثورة وتفريغًا للانتماء.

فالتنظير الذي تخططه المنجزات الحضارية، تصنعه الثقافة التراثية الأصيلة، أي أن دستور القومية العربية هو تاريخ الحضارة ذاته، وبقدر ما نتوسع في تقديم الدراسات الحضارية، نساعد على التعمق في تحديد بنود الدستور القومي.

وإذا كان مفهوم القومية يعتمد على خصائص مشخصة تحددها منجزات الحضارة، فإن هذا يساعدنا على جعل مفهوم القومية علميًا موضوعيًا، وليس مفهومًا عاطفيًا عصبيًا. وبهذا المعنى فإن دراسة تاريخ الحضارة والتراث يجب أن تبتعد عن الشوفينية والغرور وعن السلفية والرجعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت