فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 23694

إن المنطلق الأساسي لتنظير الفكر القومي هو تحرير الثقافة وتعريبها. فلقد تكاثرت المؤثرات الثقافية حتى وصلت الحد الذي أخرج الثقافة عن هويتها الأصيلة وربطها بهويات غريبة. وتم هذا الانحراف بفعل القوى الأجنبية الطامعة التي رسخت دعائم الاستعمار الثقافي، أو بفعل الاتجاهات الثقافية الوطنية التي أخذت بالفكر المستورد أو خضعت للقومية الأوربية.

والثورة الثقافية كما نفهمها، إنما تتجه إلى تحرير الثقافة الحديثة من طغيان التيارات والمذاهب المستوردة أو المفروضة، وإعادة الثقافة إلى أصالتها. والأصالة هي تمثل التراث في كل عمل إبداعي. أي أن بناء المستقبل إذ يتم عن طريق العمل المبدع، فإنه يقوم على حصيلة عطاءات الأمة عبر التاريخ.

وعندما تتوضح خصائص القومية بالمعطيات الحضارية، فإن السمة الإنسانية تبدو أكثر تأكيدًا فليست الصفة القومية للحضارة إلا لتزيدها مشروعية وأصالة، والحضارات هي ثقافات مفتوحة على الناس جميعًا وهي تزيد المعرفة الإنسانية غنى، ولا يتعارض تعدد الثقافات مع أية نزعة إنسانية، فليس من قائل بضرورة توحيد الحضارات والتراث. وحتى في الدول المؤلفة من قوميات عديدة، فإن الحفاظ على شخصية حضارات هذه القوميات، والإبقاء على استقلالها، هو ضرورة ثقافية فضلًا عن أنه ضرورة قومية ووطنية.

إن الدعوة القومية في حقيقتها ليست دعوة عنصرية، بل هي دعوة حضارية، هكذا نفهمها، ونستطيع تنظير فكرنا القومي على هذا الأساس دون أن نخلق حواجز بين القوميات تقوم على التمييز العرقي أو التفوق القومي، فالقومية هي وجدان الحضارة والحضارة هي المضمون المشخص والمادي للقومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت