إن هذه المنطلقات الأساسية لمفهوم القومية تضعنا أمام حقائق تراثية وتاريخية تشكل علمًا نسميه تاريخ الحضارة، وهو بحد ذاته علم القومية. وهذا يعني أن الانتساب إلى قومية معينة هو انتساب لحضارة وثقافة هذه الأمة. وإن الانتماء القومي يزداد وعيًا بازدياد التعمق بعلم القومية، أعني تاريخ الحضارة.
الكيان الدولي:
إن وحدة الشخصية العربية، هي العامل الأساسي في بناء الأمة العربية وفي استمرار وحدتها التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا، على الرغم من التجزؤ السياسي المفروض والذي لم يستطع إطلاقًا القضاء على الوحدة القومية الراسخة منذ القدم، ولن يستطيع الحؤول دون الوحدة السياسية والاقتصادية الحتمية2.
وهدف العرب من وحدتهم لا يمكن أن يكون عاطفيًا، ما دام أن الوحدة القومية قائمة من خلال التراث واللغة والأفكار والآمال الموحدة، بل هو هدف علمي يحقق أهدافًا مشتركة ومصالح متكاملة.
ثم إن قانون التطور إذ يفرض على الواقع العربي الارتفاع إلى مستوى الحضارة المعاصرة، فإن هذا القانون أصبح عاجزًا عن تدارك التخلف المؤسف الذي تعانيه، ومع ذلك فإن مؤشره يبقى متجهًا نحو الأمام، نحو الأفضل والأرقى، ما دام أن تكوُّن المجتمعات والحضارات عضوي يجنح حتمًا نحو التكامل والنمو. ولكن عندما يكون جسم هذه المجتمعات مجزأ، فإن عملية النمو تبقى قاصرة ضعيفة، وهذا ما تعانيه الدول العربية في واقعها المجزأ، على الرغم من جميع المحاولات التي تقوم بها سواء بتأثير الحركات الثورية، أو بفعل الموارد النفطية الهائلة، أو نتيجة عمليات الاستيراد الثقافي الغربي التي يعتقد بعض العرب أنها الطريق السليم إلى مجاراة العالم المتقدم.
ومن المؤسف أن التجزؤ إذ يحول دون تكامل اقتصادي يرفع من مستوى المعيشة والحياة لدى الإنسان العربي، فإنه يحول أيضًا دون البناء الثقافي المتطور الذي يحقق حضارة حديثة معادلة للحضارات المعاصرة.