أصبح شيلر سنة 1785 بمدينة مَنْهايم يعيش في بؤس أسود، ويكابد قلقًا نفسيًا عميقًا مبرّحًا. قد ناله الإخفاق من كل وجه وأطبق عليه الشقاء. يرتطم أول عدد من الصحيفة التي يحاول أن يصدرها بعقبات لا تذلل، ويثور به الرأي العام فيضطره إلى مغادرة تلك المدينة. وهو يذعن لهذا الاضطرار من دون كره شديد لأنه بذلك يبتعد عن أسرة فون كالب إذ بدأ منذ عشرة أشهر بينه وبين الزوجة شارلوت غرام قد يعرّضها للأراجيف ولسوء القالة. ها هو ذا إذن يُجمْع أمره فيسافر إلى إلى ليبزيغ أول آذار. وهنالك يفكر في أن يترك حرفة الأدب وأن يرجع إلى دراسة الحقوق التي بدأها في الأكاديمية الحربية التي لم يحفظ منها إلا ذكرى أشبه ما تكون بذكرى السجن. بَيدَ أنه لا يستطيع متابعة هذه الدراسة لأنها لم تُرضِه. لذلك يبدأ دراسة الطب. ولكنها لا ترضيه أيضًا. ويسعى أن يَخلُصَ من هذا القلق بأن يخطب مرغريت بنت صاحب المطبعة الذي يطبع له منشوراته. غير أن هذا الأب المتبصّر يضنّ بكريمته على هذا الفقير التاعس الذي كان فوق تعاسته مريضًا ضعيف البنية.
كتب شيلر قبل أن يترك منهايم إلى أصدقائه في ليبزيغ رسالة يبوح فيها ببؤسه وشقائه جاء فيها:
"أكتب إليكم يا أخلائي من قلب ضيقٌ لا يوصف ضيقه. أصبحت لا أطيق المقام ههنا. لقد عزمت منذ اثنى عشر يومًا في سريرة نفسي أن أقول لهذه الدنيا وداعًا. إن البشر وعلاقاتي والأرض والسماء كل ذلك يبدو لي بغيضًا ممقوتًا. لست أجد هنا نفسًا تملأ فراغ قلبي، ولا لي من صديقة أ وصديق. حتى من كان عزيزًا عليّ تبعدني دواعي التحفظ والصيانة... لقد برد وريد الشعر فيّ وجفّ قلبي فلا أخفُّ إلى الأندية التي كنت اختلف إليها. لم أعرف قط يومًا من أيام السعادة. أبكوا عليَّ ولأبُحْ بذلك. لم أعرف قطُّ يومًا من أيام السعادة لأن الشهرة والإعجاب وكل ما يغري بحرفة الأدب لا تعدلُ لحظة من لحظات الحب والصداقة."